من يملك القرار في أوروبا

كيف تتحول المطالب الشعبية إلى قرار أوروبي

من أكثر الأخطاء شيوعاً في النقاش حول العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل الاعتقاد بأن قرار مراجعة أو تعليق اتفاقية الشراكة أو غيرها من الاتفاقيات يمكن أن يصدر بقرار منفرد من البرلمان الأوروبي أو من رئيس المفوضية الأوروبية أو حتى من دولة عضو بعينها. والحقيقة أن الاتحاد الأوروبي يعمل وفق منظومة مؤسسية معقدة، لكنها في الوقت نفسه تتيح مسارات متعددة للتأثير والضغط إذا أُحسن استخدامها.

ولهذا، فإن نجاح أي حملة تهدف إلى مراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إلغاء الاتفاقيات الأوروبية مع إسرائيل يبدأ بفهم من يملك القرار، وكيف يُصنع، وأين يجب أن يُوجَّه الضغط السياسي والقانوني والشعبي.

الخطوة الأولى تبدأ بالمفوضية الأوروبية، وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي. فالمفوضية ليست مجرد إدارة بيروقراطية، بل هي الجهة التي تراقب تنفيذ الاتفاقيات، وتعد التقارير، وتقترح السياسات، وترفع التوصيات إلى مجلس الاتحاد الأوروبي. وإذا اقتنعت المفوضية بأن هناك إخلالاً جوهرياً بشروط اتفاقية الشراكة، فإنها تستطيع أن تفتح باب المراجعة، وأن تطرح خيارات متعددة أمام الدول الأعضاء.

لكن المفوضية لا تملك القرار النهائي. فهذا القرار ينتقل إلى مجلس الاتحاد الأوروبي، وهو المؤسسة التي تمثل حكومات الدول السبع والعشرين. وهنا تتجلى الحقيقة السياسية التي كثيراً ما تغيب عن النقاش العربي، وهي أن موقف كل حكومة أوروبية يصبح جزءاً من القرار الأوروبي. ولذلك فإن الضغط لا ينبغي أن يقتصر على بروكسل، بل يجب أن يمتد إلى العواصم الأوروبية نفسها، لأن الوزراء الذين يجلسون حول طاولة المجلس هم الذين يصوتون في النهاية على كثير من القرارات المتعلقة بالعلاقات الخارجية والاتفاقيات الدولية.

أما البرلمان الأوروبي، فرغم أنه لا يملك وحده سلطة تعليق اتفاقية الشراكة، فإنه يمثل أهم ساحة للضغط السياسي والإعلامي. فالبرلمان يستطيع أن يطلب جلسات استماع، وأن يناقش تقارير المفوضية، وأن يصدر قرارات سياسية، وأن يوجه أسئلة مكتوبة وشفوية إلى المفوضية والمجلس، وأن يجعل استمرار الامتيازات الممنوحة لإسرائيل قضية مطروحة أمام الرأي العام الأوروبي بصورة دائمة.

ومن هنا، فإن كل نائب في البرلمان الأوروبي يصبح عنواناً للحملة. فالنائب الذي يطالب بتفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة يجب دعمه وتشجيعه، والنائب الذي يرفض حتى مجرد مناقشة الملف يجب أن يعلم أن موقفه لن يمر دون مساءلة سياسية وانتخابية.

غير أن الحلقة الأهم في هذه المنظومة ليست المؤسسات وحدها، بل المواطن الأوروبي نفسه. ففي الأنظمة الديمقراطية لا يتحرك السياسيون في فراغ. إنهم يستجيبون لضغط ناخبيهم، وللصحافة، وللنقابات، وللجامعات، ولمنظمات المجتمع المدني، وللأحزاب. وكلما تحولت قضية مراجعة الاتفاقيات مع إسرائيل إلى موضوع حاضر في الحملات الانتخابية، ازدادت كلفتها السياسية على الحكومات والنواب الذين يرفضون أي تغيير.

ولهذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الناخب الأوروبي ليست رسالة عاطفية، بل رسالة قانونية وأخلاقية في آن واحد. مضمونها بسيط, إذا كان الاتحاد الأوروبي يشترط احترام حقوق الإنسان في اتفاقياته الدولية، فلماذا يستمر في منح الامتيازات لدولة تواجه اتهامات جدية بانتهاك هذه المبادئ؟ وإذا كانت هذه الشروط تطبق على دول أخرى، فلماذا ينبغي أن تكون إسرائيل استثناءً؟

إن تحويل هذا السؤال إلى نقاش عام داخل المجتمعات الأوروبية هو بحد ذاته أحد أهداف هذه الحملة. فالسياسي الأوروبي لا يخشى المقالات بقدر ما يخشى فقدان ثقة ناخبيه. وعندما يصبح موقفه من اتفاقية الشراكة جزءاً من تقييم الناخبين لأدائه، سيتحول الملف من قضية خارجية هامشية إلى قضية سياسية داخلية.

ولهذا، فإن الحملة لا تدعو إلى القطيعة مع أوروبا، ولا إلى مواجهة مع مؤسساتها، بل تدعو إلى استخدام الآليات التي وضعها الاتحاد الأوروبي بنفسه. إنها تدعو إلى مخاطبة النواب بلغتهم القانونية، وإلى مخاطبة الحكومات بمسؤولياتها، وإلى مخاطبة الناخب الأوروبي بمنطق العدالة والمساواة في تطبيق القانون.

إن الطريق إلى مراجعة الاتفاقيات لا يبدأ بقرار واحد، بل يبدأ بتغيير المزاج السياسي داخل أوروبا. وهذا التغيير لا تصنعه الحكومات وحدها، بل يصنعه المواطنون عندما يطالبون ممثليهم بأن تكون السياسة الخارجية الأوروبية منسجمة مع المبادئ التي يعلنها الاتحاد الأوروبي في معاهداته واتفاقياته.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يتردد في كل دائرة انتخابية أوروبية ليس, ما هو موقفك من الصراع في الشرق الأوسط؟ بل , هل تؤمن بأن الاتفاقيات الأوروبية يجب أن تطبق على الجميع بالشروط نفسها، أم أن هناك من يتمتع بحصانة سياسية تجعله فوق قواعد الشراكة الأوروبية؟

عندما يصبح هذا السؤال جزءاً من النقاش الانتخابي الأوروبي، تكون الحملة قد بدأت تحقق هدفها الحقيقي، وهو نقل الملف من بيانات الإدانة إلى صناعة القرار.

لا امتيازات بلا مساءلة.
لا شراكة بلا حقوق.
لا قرار بلا ضغط شعبي.
يتبع ...

276 مشاهدة
3 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

من يملك القرار في أوروبا