إذا كان البرلمان الأوروبي هو ساحة المواجهة السياسية والعلنية، فإن مجلس الاتحاد الأوروبي هو المكان الذي تُحسم فيه كثير من القرارات العملية المتعلقة بالاتفاقيات الدولية والعلاقات الخارجية للاتحاد. ولذلك، فإن أي حملة جدية لمراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إلغاء الامتيازات الممنوحة لإسرائيل لا يمكن أن تكتفي بمخاطبة النواب الأوروبيين وحدهم، بل يجب أن تتجه مباشرة إلى الحكومات الوطنية في الدول الأعضاء، لأن هذه الحكومات هي التي تجلس داخل المجلس، وهي التي تصوت، وهي التي تستطيع أن تدفع باتجاه التعليق أو أن تمنعه.
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة جوهرية. الاتحاد الأوروبي ليس دولة مركزية واحدة تصدر فيها القرارات من عاصمة واحدة. إنه اتحاد سياسي وقانوني مركب، تتداخل فيه مؤسسات متعددة، لكن الحكومات الوطنية تبقى حاضرة بقوة في صناعة القرار، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل الاتفاقيات الدولية والسياسة الخارجية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا يقول البرلمان الأوروبي، بل ماذا تفعل إسبانيا، وأيرلندا، وبلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، والسويد، وسلوفينيا، وبقية الدول داخل مجلس الاتحاد؟
مجلس الاتحاد الأوروبي يضم وزراء الدول الأعضاء بحسب موضوع الاجتماع. فإذا كان الملف متعلقاً بالشؤون الخارجية حضر وزراء الخارجية، وإذا كان تجارياً حضر وزراء التجارة أو من يمثلهم، وإذا كان متعلقاً بالبحث العلمي حضرت التشكيلة المختصة، وإذا كان داخلياً أو متعلقاً بالتأشيرات دخل وزراء الداخلية والعدل في الصورة. وهذا يعني أن ملف الامتيازات الأوروبية الممنوحة لإسرائيل ليس ملفاً واحداً يُطرق من باب واحد، بل مجموعة أبواب يجب فتحها في وقت واحد, باب الخارجية، باب التجارة، باب البحث العلمي، باب الداخلية، باب العدل، وباب الميزانية.
من هنا تبدأ استراتيجية الضغط الحقيقية. من يريد تعليق امتيازات إسرائيل لا ينبغي أن يرسل رسائله إلى بروكسل فقط، بل إلى العواصم الأوروبية أيضاً. لا يكفي أن نطالب البرلمان الأوروبي بقرار سياسي، بل يجب أن نضغط على وزارات الخارجية والتجارة والبحث العلمي والداخلية في الدول الأعضاء. فكل حكومة وطنية تحمل معها إلى المجلس موقفاً سياسياً، وكل موقف يمكن أن يرجح كفة التعليق أو يعطلها.
ولهذا، فإن الحملة يجب أن تنتقل من صيغة عامة تقول “نطالب الاتحاد الأوروبي” إلى صيغة أكثر تحديداً تقول, نطالب حكومة فرنسا، وحكومة ألمانيا، وحكومة إسبانيا، وحكومة إيطاليا، وحكومة هولندا، وحكومة بلجيكا، وكل حكومة أوروبية، بأن تعلن موقفها داخل مجلس الاتحاد الأوروبي من مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وتفعيل بند حقوق الإنسان وتعليق الامتيازات عند استمرار الانتهاكات.
هذه النقلة مهمة لأنها تكسر الغموض السياسي. فكثير من الحكومات تختبئ خلف عبارة “موقف الاتحاد الأوروبي”، وكأن الاتحاد كائن مجرد لا تصنعه الدول. لكن الحقيقة أن الاتحاد يتشكل من مواقف هذه الحكومات نفسها. فإذا قالت حكومة إنها تؤيد حقوق الإنسان، فعليها أن تترجم ذلك داخل المجلس. وإذا قالت إنها تدعم القانون الدولي، فعليها أن تصوت وفق هذا الالتزام. وإذا قالت إنها قلقة من الانتهاكات، فعليها أن تقبل بتدابير عملية، لا أن تكتفي ببيانات لا تغير شيئاً.
إن دور المجلس في الاتفاقيات الدولية دور محوري. فهو يشارك في منح تفويض التفاوض، ويجيز التوقيع، ويعتمد القرار النهائي الذي يعبّر عن موافقة الاتحاد على الالتزام بالاتفاقية. وبالمنطق نفسه، عندما يتعلق الأمر بالمراجعة أو التعليق أو اتخاذ موقف داخل هيئة مشتركة أنشأتها اتفاقية دولية، فإن المجلس يصبح في قلب العملية. وهذا ما يجعل الضغط عليه ضرورة لا خياراً.
لكن الضغط على المجلس لا يكون بمخاطبة مبناه في بروكسل فقط. الضغط الحقيقي يتم عبر الدول. فوزير الخارجية لا يعود إلى المجلس خالياً من الحسابات الداخلية. هو يحمل معه ضغط الرأي العام، ومواقف البرلمان الوطني، وأسئلة الصحافة، وحملات المجتمع المدني، وخشية الأحزاب من كلفة انتخابية. ولذلك، فإن نقل ملف الاتفاقيات الأوروبية الإسرائيلية إلى داخل البرلمانات الوطنية الأوروبية لا يقل أهمية عن طرحه داخل البرلمان الأوروبي.
يجب أن يُسأل كل وزير خارجية أوروبي, ما موقفكم من تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة؟ هل تؤيدون مراجعة رسمية؟ هل تؤيدون تعليقاً جزئياً؟ هل تعارضون استمرار الامتيازات بلا شروط؟ هل ستدعمون إجراءات ضد منتجات المستوطنات؟ هل تقبلون أن تستمر إسرائيل في الاستفادة من برامج البحث العلمي الأوروبية بينما تستمر الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني المحتل؟
ويجب أن يُسأل كل وزير تجارة, هل ستدافعون عن قواعد المنشأ؟ هل ستمنعون استفادة منتجات المستوطنات من التفضيلات الأوروبية؟ هل تقبلون بأن تتحول التجارة إلى غطاء سياسي للاحتلال؟ ويجب أن يُسأل وزراء البحث العلمي, هل ستراجعون مشاركة المؤسسات الإسرائيلية في البرامج الأوروبية الحساسة؟ ويجب أن يُسأل وزراء الداخلية, هل ستقبلون باستمرار الإعفاء من التأشيرة دون معاملة بالمثل ودون احترام لحرية حركة المواطنين الأوروبيين والفلسطينيين؟
بهذا المعنى، تصبح الحملة متعددة المسارات. ليست حملة مقال واحد أو شعار واحد، بل حملة ضغط مؤسسية موجهة. كل وزارة معنية بملف. كل حكومة مطالبة بموقف. كل حزب حاكم مطالب بتفسير. كل برلمان وطني مطالب بمساءلة حكومته قبل أن تذهب إلى بروكسل. وكل ناخب أوروبي مدعو إلى أن يسأل حكومته: ماذا تفعلون باسمي داخل مجلس الاتحاد؟
ومن المهم هنا فهم آلية التصويت داخل المجلس. في كثير من الملفات، يعتمد المجلس ما يعرف بالأغلبية المؤهلة، أي أن القرار لا يحتاج دائماً إلى إجماع كامل، بل إلى تأييد نسبة معينة من الدول تمثل نسبة معينة من سكان الاتحاد. وفي المقابل، هناك ملفات في السياسة الخارجية أو بعض الاتفاقيات الحساسة قد تحتاج إلى إجماع أو إلى مستوى أعلى من التوافق. وهذا يعني أن الحملة يجب أن تكون ذكية في اختيار مطالبها. فالتعليق الكامل قد يكون سياسياً وإجرائياً أصعب، لكن التعليق الجزئي أو التقييد القطاعي أو وقف امتياز معين قد يكون أقرب إلى التحقيق إذا بُنيت له أغلبية سياسية كافية.
وهنا تظهر أهمية التدرج. لا ينبغي أن تبدأ الحملة من مطلب واحد وحيد هو الإلغاء الكامل، فتُدفع فوراً إلى جدار الرفض أو الإجماع المستحيل. بل يجب أن تسير في سلم تصعيدي, مراجعة رسمية، ثم إنذار، ثم تعليق اجتماعات، ثم تقييد برامج، ثم تشديد قواعد منشأ، ثم وقف امتيازات محددة، ثم تعليق أوسع، ثم عدم تجديد، ثم إنهاء إذا استمرت الانتهاكات. هذا السلم لا يخفف من قوة المطلب، بل يجعله قابلاً للتحول إلى قرارات متتابعة.
إن مجلس الاتحاد هو المكان الذي يمكن فيه أن تتحول المبادئ إلى قرارات، أو أن تُدفن فيه تحت ضغط المصالح والتحالفات. ولذلك يجب ألا يبقى بعيداً عن أعين الرأي العام. يجب أن يعرف المواطن الأوروبي كيف تصوت حكومته، وماذا تقول في العلن، وماذا تفعل في الغرف المغلقة. ويجب أن تنتهي مرحلة الاختباء خلف العبارات العامة. فالدولة التي تتحدث عن حقوق الإنسان في بياناتها، ثم تعطل أي تدبير عملي داخل المجلس، تمارس ازدواجية يجب كشفها.
وهنا يأتي دور الصحافة. الصحفيون الأوروبيون والعرب مطالبون بمتابعة مواقف الحكومات لا التصريحات العامة فقط. السؤال ليس هل أدانت الحكومة الانتهاكات؟ السؤال هو, هل دعمت تعليق الامتيازات؟ هل عارضت؟ هل امتنعت؟ هل ضغطت لتخفيف القرار؟ هل طلبت حذف عبارات المساءلة؟ هل وقفت مع تفعيل المادة الثانية أم مع إبقاء الاتفاقية تعمل بصورة عادية؟
كما يأتي دور منظمات المجتمع المدني في بناء خرائط موقف واضحة. يجب إعداد جداول دورية تظهر مواقف الدول الأعضاء, دول داعمة للمراجعة، دول داعمة للتعليق الجزئي، دول مترددة، دول معطلة. وعندما يعرف الناخب أن حكومته تعطل المساءلة، يصبح قادراً على تحويل هذا الملف إلى قضية انتخابية داخلية.
إن الضغط على مجلس الاتحاد لا يعني تجاوز البرلمان الأوروبي، بل يعني استكمال الحلقة. البرلمان يصنع الضوء السياسي، والمفوضية تملك المبادرة الفنية والتنفيذية، والمجلس يحسم القرار عبر الحكومات. وإذا بقي الضغط محصوراً في البرلمان فقط، قد يصدر قرار قوي ثم يتوقف عند أبواب المجلس. أما إذا وصل الضغط إلى الحكومات الوطنية، فإن الطريق إلى القرار يصبح أكثر واقعية.
ولهذا، فإن هذه الحلقة من هذه الحملة توجه رسالتها إلى العواصم الأوروبية قبل بروكسل, لا تختبئوا خلف الاتحاد، فأنتم الاتحاد. لا تقولوا إن القرار أوروبي بينما أنتم تصوتون عليه. لا ترفعوا شعار حقوق الإنسان في العلن ثم تحموا الامتيازات في المجلس. المطلوب موقف واضح, هل أنتم مع مراجعة اتفاقية الشراكة وتفعيل بند حقوق الإنسان، أم مع استمرار امتيازات حكومة الاحتلال بلا مساءلة؟
إن الطريق إلى تعليق الامتيازات يبدأ من معرفة مكان القرار. ومكان القرار ليس منصة واحدة، بل شبكة مؤسسات. لكن مجلس الاتحاد يبقى إحدى أهم حلقاتها، لأنه المكان الذي تجلس فيه الحكومات وتحول المواقف إلى قرارات أو تمنعها من أن تولد.
لذلك، فإن مهمة الحملة في هذه المرحلة واضحة, نقل الضغط من الشارع إلى البرلمان، ومن البرلمان إلى الحكومة، ومن الحكومة إلى مجلس الاتحاد. عندها فقط يصبح مطلب مراجعة الاتفاقيات وتعليق الامتيازات قوة سياسية لا يمكن تجاهلها.
لا امتيازات بلا مساءلة.
لا حكومة فوق السؤال.
لا قرار أوروبي بلا مسؤولية وطنية.
يتبع ...





شارك برأيك
مجلس الاتحاد الأوروبي حيث تُحسم القرارات