بين عُرف الكرامة وحسابات السياسة: كيف يعيد "نكف الجوف" ترتيب خارطة القوة في اليمن؟

في الوقت الذي تبدو فيه الأزمة اليمنية راكدة في مربع "اللا حرب واللا سلم" السياسي، أعادت التطورات الميدانية الأخيرة في صحراء الجوف، شمال شرق اليمن، تسليط الضوء على فاعل محلي حاسم غاب كثيراً عن طاولات المفاوضات الدولية: القبيلة اليمنية وأعرافها العميقة. إن إعلان "النَّكَف القبلي" وتداعي القبائل إلى "مطارح الريان"، يمثل نموذجاً حياً لكيفية تحول الأعراف التاريخية الكامنة إلى أدوات جيوسياسية قادرة على خلط الأوراق وإعادة تشكيل الموقف العسكري والسياسي بشكل يسبق المسارات الدبلوماسية التقليدية.
أولاً: تفكيك المفهوم: ما هو "النَّكَف" وما أدواته؟
في السوسيولوجيا القبلية اليمنية، يُعرّف النَّكَف أو داعي النكف بأنه حالة النفير العام والاستنفار المسلح غير المشروط لنجدة قبيلة أو فرد تعرض لاعتداء يمس العِرض، الأرض، أو الكرامة، ويتميز بآليات صارمة:
تجميد الخلافات البينية: بمجرد إعلان النكف، تُرفع الهدنة وتتوقف كافة الصراعات الثأرية والداخلية بين بطون القبائل لمواجهة الخطر الخارجي المشترك.
المطارح: هي المخيمات الحربية المفتوحة التي يتوافد إليها مسلحو القبائل بعتادهم، لتتحول سريعاً من منصات تشاورية إلى قواعد انطلاق عسكرية جاهزة للمواجهة.
التمايز العُرفي: يختلف النكف عن "الدَّاعِي" الذي يُطلب للتشاور والصلح قبل الحرب، وعن "الفَزْعَة" وهي الاستجابة الموضعية الآنية دون ترتيب، فالنكف هو أعلى درجات التصعيد العسكري العُرفي.
ثانياً: الخارطة البشرية لنكف "الحزمي": الجغرافيا والقبائل المشاركة
لم يعد النكف الحالي حدثاً مناطقياً معزولاً، بل تحول إلى مظلة جامعة لأبرز قبائل طوق صنعاء والمرتفعات والشمال الشرقي، مدفوعاً بنكف بن فدغم الحزمي إثر الانتهاكات التي طالت رموزها والنساء وتمثلت في قضية المعتقلة ميرا صدام حسين. وتتوزع الخارطة الجغرافية والبشرية للمطارح الحالية على النحو التالي:
قبائل دهم: وتمثل الحاضن الرئيسي للحراك، ومن أبرزها قبائل آل مروان، بني نوف، المهاشمة، آل صيد، والفقمان؛ وهي القبائل القاطنة في الجوف والتي تقود المواجهة الأرضية وفرضت القطاعات القبلية الاقتصادية.
اتحاد قبائل بكيل الكبرى: انضمت أجنحة وازنة من بكيل لدعم النكف، أبرزها قبائل "ذو محمد" و"ذو حسين" في مديريات برط، واللتين خاضتا اشتباكات عنيفة مباشرة ضد ألوية الحوثيين لمنع حصار المطارح.
قبائل حاشد وطوق صنعاء: سجلت المطارح وصول وفود مسلحة من قبائل "خارف" و"العصيمات" من حاشد، إلى جانب قبائل من أرحب وهمدان وعيال سريح بعمران، مدفوعين بالشعور الجمعي بتهديد الهوية القبلية من قِبل المشرفين الحوثيين.
امتداد مأرب والشرق: تفاعلت قبائل عبيدة وجهم ومراد بمأرب رفقة قبائل من شبوة وحضرموت مثل الصيعر والبريك عبر دعم لوجستي وقبلي مباشر لتأمين محيط المطارح في منطقة الريان.
ثالثاً: شواهد تاريخية وإخفاقات سابقة

يُظهر التتبع التاريخي أن النكف كان دائماً محركاً للتحولات الكبرى، لكنه لم يكن معصوماً من الإخفاقات التكتيكية:
المقاومة التاريخية: استُخدم النكف تاريخياً لتوحيد قبائل المرتفعات الشمالية لمقاومة حملات التوسع العثماني، حيث شكلت القبائل جدار صد صلب أعجز الجيوش المنظمة في معارك الجبال والوديان.
فخ التسييس المعاصر: نجحت جماعة الحوثي لسنوات في استغلال هذا العُرف كأداة تعبئة عامة بديلة للمؤسسات لتغذية جبهاتها بالوقود البشري تحت مسمى النكف القبلي لمواجهة العدوان الخارجي.
نموذج الإخفاق (نكف ياسر العواضي 2020): يمثل نكف الشيخ ياسر العواضي في محافظة البيضاء لنصرة قضية جهاد الأصبحي أبرز وجوه الإخفاق؛ حيث عانى الحشد حينها من ثلاثة عيوب قاتلة: الاختراقات الاستخباراتية لبطون القبيلة، وبطء التنظيم اللوجستي للمطارح، فضلاً عن تردد القوات الحكومية والشرعية في التدخل العسكري السريع لربط الجبهات، مما مكّن الجماعة الحوثية من الاستفراد بالقبيلة وسحق الانتفاضة عسكرياً في معقلها بمديرية ردمان.
رابعاً: النكف الحالي في الجوف: الثغرة والفرصة غير المقصودة
تأتي انتفاضة الجوف اليوم لتفتح ثغرة حقيقية في جدار السيطرة الحوثية المطلقة، وتضع الطرفين الرئيسيين أمام معادلة جديدة:
بالنسبة للجماعة الحوثية: يمثل النكف تهديداً مباشراً لـ وثيقة الشرف القبلي التي فرضتها الجماعة تاريخياً لإخضاع الشيوخ. كما أن فرض القبائل حصاراً على شاحنات التجارة المتجهة نحو معاقل الجماعة في صعدة وتحديداً تجارة القيادي فارس مناع يشكل ضغطاً اقتصادياً وأمنياً يمس النواة الصلبة للجماعة ويهز هيبتها العسكرية.
بالنسبة للحكومة الشرعية: يوفر هذا الحراك دعماً جيوسياسياً وعسكرياً مباشراً دون قصد أولي من القبيلة، حيث يعمل كحزام أمني طبيعي يحمي ظهر مأرب، ويشتت القوة الحوثية، ويقطع خطوط إمدادها البشري.
ورغم الأعين المفتوحة للشرعية وجديتها في تلمس الفرصة، إلا أن عوائق بنيوية متمثلة في آليات اتخاذ القرار المشترك داخل مجلس القيادة الرئاسي، وبطء التنسيق اللوجستي، وحرص الشرعية التكتيكي على عدم عسكرة القضية سياسياً حتى لا تفقد القبيلة الصبغة الشعبية المستقلة، جعل الأداء الرسمي يبدو حتى الآن متأخراً خطوة عن سرعة الاندفاعة القبلية في الميدان.

خامساً: النبض الرقمي: كيف تفاعل الشارع اليمني مع "نكف الجوف"؟
لم تتوقف أصداء نكف ابن فدغم الحزمي عند حدود رمال الصحراء، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعي اليمني، خاصة منصة إكس وفيسبوك، إلى ساحة حرب رقمية ومؤشر حقيقي لقياس الرأي العام. ويمكن رصد هذا التفاعل الفكري والشعبي في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
صدمة العيب الأسود: سادت حالة من الغضب العارم والتعاطف الواسع من مختلف الأطياف اليمنية بمن فيهم قاطنو مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث اعتبر الناشطون أن ممارسات المشرفين وتجرؤهم على اختطاف النساء وإهانة شيوخ القبائل يمثل سقوطاً أخلاقياً وعُرفياً يتجاوز الخلاف السياسي الكلاسيكي.
الالتفاف الشعبي العابر للحزبية: أظهرت التغريدات والمنشورات حالة نادرة من الإجماع؛ إذ دعا المؤيدون للحكومة الشرعية والمستقلون إلى ضرورة إسناد القبائل إعلامياً ومعنوياً، معتبرين أن المطارح هي الجبهة الحقيقية الحالية لكسر غطرسة المليشيا، ومطالبين وزارة الدفاع بعدم تفويت هذه الفرصة التاريخية.
الاستنفار الرقمي الحوثي: في المقابل، شنت المطابخ الإعلامية التابعة للحوثيين حملة تخوين مضادة، حاولت فيها وصم الحشد القبلي بأنه مؤامرة استخباراتية مدفوعة من الخارج، والترويج لروايات أمنية تزعم وجود قضايا جنائية، وهي سردية قوبلت برفض وسخرية واسعة من قِبل رواد مواقع التواصل الذين أكدوا أن الأعراف القبيلة لا يمكن تسييسها أو دحضها
سادساً: قراءة تنبؤية: سيناريوهات الساعات والأسابيع القادمة
يقف المشهد في شمال اليمن اليوم على حافة تغيير جوهري، وتشير المعطيات السياسية والميدانية إلى مسارين زمنيين متداخلين:
1. المدى الفوري (خلال 48 إلى 72 ساعة): مؤشرات الانفجار العسكري
الوضع مرشح للصدام الشامل نتيجة دخول الطيران المسيّر الحوثي خط المواجهة واستهدافه لمطارح الريان، فضلاً عن الاشتباكات الدموية التي دارت في مديرية برط ضد قبائل ذو محمد. الشرارة القادمة قد تنفجر مع أي محاولة حوثية لفك الحصار القبلي عن خطوط إمداد صعدة بالقوة العسكرية الغاشمة.
2. المدى المتوسط (من أسبوع إلى أسبوعين): السيناريوهات الختامية
خلال هذه الفترة، ستتضح النتيجة النهائية للأزمة وفق سيناريوهين:
السيناريو الأول: الانفجار والشراكة العسكرية الاضطرارية (الاحتمال الأقوى): تعثر الوساطات القبلية الراهنة بسبب تمسك القبائل بشرط تعجيزي للحوثيين وهو الإفراج الفوري والشامل عن النساء والمعتقلين وإيصالهم لمناطق الشرعية. هذا الرفض سيدفع الحوثيين لشن حملة عسكرية واسعة، مما سيجبر قبائل بكيل ودهم على الالتحام العسكري والعملياتي الكامل مع الجيش الوطني التابع للشرعية، لتتحول أطراف الصحراء وجبال برط إلى جبهة استنزاف مفتوحة تُغير خارطة السيطرة شمالاً وتكسر جمود الجبهات.
السيناريو الثاني: الاحتواء والتراجع التكتيكي (الاحتمال الأضعف): إدراك جماعة الحوثي لخطورة خسارة عمقها القبلي وتأليب قبائل طوق صنعاء في هذا التوقيت الحرج، مما يدفعها لتقديم تنازلات مُذلة عُرفياً، تشمل إطلاق سراح المعتقلين والتحكيم المطلق للقبيلة لرفع المطارح، وهو سيناريو يمثل -وإن حدث سلماً- هزيمة معنوية وسياسية قاسية لسلطة الجماعة تفتح الباب لانتفاضات قبلية مماثلة مستقبلاً.
يظل النَّكَف القبلي في اليمن أكثر من مجرد إرثٍ تاريخي؛ إنه الآلية الدفاعية الأخيرة لنسيج مجتمعي يرفض الذوبان الكامل في المشاريع الأيديولوجية المسلحة. وسواء انتهت أزمة الجوف الحالية بصلح عُرفي قسري أو بانفجار عسكري شامل، فإنها أثبتت مجدداً أن مفاتيح استقرار اليمن أو اشتعاله لا تزال تقبع في خيام المطارح وبين بنادق رجاله، بعيداً عن كواليس وحسابات العواصم الإقليمية والدولية.

416 مشاهدة
0 تعليق

بقلم

سعيد النظامي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

بين عُرف الكرامة وحسابات السياسة: كيف يعيد "نكف الجوف" ترتيب خارطة القوة في اليمن؟