من يفتح باب المراجعة !!!
عندما يدور الحديث عن مراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إلغاء اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، يتجه الاهتمام غالباً إلى البرلمان الأوروبي أو إلى مجلس الاتحاد الأوروبي. لكن بين هاتين المؤسستين تقف جهة تمتلك دوراً لا يقل أهمية، وهي المفوضية الأوروبية، التي تعد المحرك التنفيذي للاتحاد الأوروبي، وصاحبة المبادرة في عدد كبير من الملفات المتعلقة بتنفيذ الاتفاقيات الدولية ومتابعة الالتزامات القانونية للدول الشريكة.
ولهذا، فإن أي حملة تسعى إلى تحويل النصوص القانونية إلى إجراءات عملية لا يجوز أن تتجاوز المفوضية الأوروبية، لأنها في كثير من الأحيان هي الجهة التي تبدأ منها عملية التقييم، وهي التي تضع التقارير، وتقترح الخيارات، وترفع التوصيات إلى مجلس الاتحاد الأوروبي.
المفوضية ليست محكمة تصدر أحكاماً، وليست برلماناً يصوت على قرارات سياسية، لكنها المؤسسة التي تجمع المعلومات، وتقيم مدى الالتزام بالاتفاقيات، وتتابع تنفيذها، وتقترح ما إذا كانت الظروف تستدعي اتخاذ إجراءات معينة. ولهذا السبب فإن التأثير على المفوضية يعني التأثير في المرحلة الأولى من صناعة القرار الأوروبي.
إن اتفاقية الشراكة مع إسرائيل لا تقوم على الامتيازات التجارية وحدها، بل تقوم أيضاً على التزامات قانونية متبادلة، وفي مقدمتها احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية باعتبارها عنصراً أساسياً في الاتفاقية. وعندما تثار تساؤلات جدية حول احترام هذا الالتزام، يصبح من الطبيعي أن تُطالب المفوضية بإجراء مراجعة قانونية وسياسية لتقييم مدى استمرار توافر الشروط التي قامت عليها العلاقة.
وهنا ينبغي أن يتحول خطاب الحملة من الشعارات العامة إلى مطالب إجرائية دقيقة. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بتعليق الاتفاقية فوراً، يمكن البدء بمطالبة المفوضية الأوروبية بإصدار تقرير رسمي ومعلن يجيب عن سؤال محدد وهو هل ما زالت إسرائيل تفي بالالتزامات الجوهرية التي نصت عليها اتفاقية الشراكة، أم أن الانتهاكات المستمرة تستوجب تفعيل الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية؟
هذا النوع من المطالب يصعب تجاهله، لأنه لا يطلب من المفوضية اتخاذ موقف سياسي مسبق، بل يطلب منها أداء وظيفتها المؤسسية في الرقابة والتقييم. وإذا صدر تقرير رسمي يقر بوجود إخلال بالالتزامات، فإن النقاش داخل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي ينتقل من دائرة الانطباعات السياسية إلى دائرة الوقائع المؤسسية الموثقة.
ومن هنا تأتي أهمية الضغط على أعضاء المفوضية، وعلى المفوض المختص بالعلاقات الخارجية، وعلى المفوض المسؤول عن التجارة، وعلى الأجهزة الفنية التي تعد الدراسات القانونية وتقارير التنفيذ. فهذه المؤسسات لا تعمل في فراغ، بل تتأثر بما يقدم إليها من تقارير، وبما يثار داخل البرلمان، وبما تنشره وسائل الإعلام، وبما تطلبه الحكومات الوطنية.
ولا يقل دور المجتمع المدني الأوروبي أهمية في هذه المرحلة. فالمنظمات الحقوقية، ومراكز الدراسات، والنقابات، والجامعات، تستطيع أن تزود المفوضية بملفات قانونية موثقة، وأن تطلب فتح مراجعات رسمية، وأن تضع المسؤولين الأوروبيين أمام مسؤولياتهم القانونية، بدلاً من ترك الملف أسير الحسابات السياسية وحدها.
كما أن الصحافة الأوروبية تؤدي دوراً محورياً في هذه المرحلة. فكلما ازدادت الأسئلة الموجهة إلى المفوضية بشأن تنفيذ المادة الثانية من اتفاقية الشراكة، ازدادت صعوبة تجاهل الملف. والسؤال الذي ينبغي أن يتكرر في المؤتمرات الصحفية ليس ما إذا كانت المفوضية قلقة من الانتهاكات، بل ما إذا كانت ستباشر مراجعة رسمية للاتفاقية، وما هو الأساس القانوني لاستمرار الامتيازات إذا ثبت الإخلال بالشروط الجوهرية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يُنظر إلى المفوضية بوصفها خصماً أو حليفاً، بل بوصفها مؤسسة ملزمة بتطبيق القانون الأوروبي. فإذا كانت الاتفاقيات الدولية تتضمن شروطاً واضحة، فإن احترام هذه الشروط ليس خياراً سياسياً، بل جزء من مصداقية النظام القانوني للاتحاد الأوروبي نفسه.
ولهذا، فإن الرسالة الموجهة إلى المفوضية يجب أن تكون واضحة, لسنا نطالبكم بتغيير القانون، بل بتطبيقه. ولسنا نطالبكم بإنشاء آلية جديدة، بل باستخدام الآليات التي تنص عليها الاتفاقيات الأوروبية نفسها. وإذا كانت حقوق الإنسان شرطاً لاستمرار الشراكة، فإن استمرار الشراكة يجب أن يخضع لمراجعة كلما وجدت أسباب جدية تدعو إلى ذلك.
إن نجاح هذه الحملة لا يقاس بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرتها على نقل الملف من دائرة الخطابات السياسية إلى دائرة الإجراءات المؤسسية. وعندما تبدأ المفوضية بإجراء مراجعات رسمية، وتصدر تقارير قانونية معلنة، وتضع خياراتها أمام مجلس الاتحاد الأوروبي، تكون الحملة قد انتقلت من مرحلة المطالبة إلى مرحلة صناعة القرار.
لهذا، فإن الضغط على المفوضية الأوروبية ليس مرحلة ثانوية، بل هو بداية الطريق. فمنها تبدأ المراجعة، ومنها تنتقل الملفات إلى المجلس، ومنها تتكون الأرضية القانونية التي يبنى عليها أي قرار مستقبلي بشأن مراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إنهاء الامتيازات الممنوحة لإسرائيل.
لا قانون بلا تنفيذ.
لا مراجعة بلا شفافية.
لا شراكة بلا مساءلة.
يتبع ...





شارك برأيك
المفوضية الأوروبية