في غمرة الحروب وتحولات السلطة باليمن، تخرج إلى السطح قضايا تتجاوز حدود العقل لتشتبك فيها السياسة بالعرف القبلي، وتتحول منصات القضاء إلى ساحات لتصفية الحسابات المالية. قضية السيدة التي تدعي أنها "ميرا صدام حسين" في صنعاء، ليست مجرد قصة انتحال صفة أو نزاع عقاري عابر؛ بل هي "صندوق أسرار مغلق" يتداخل فيه النفوذ السياسي القديم بطمع النافذين الجدد، وتكشف بوضوح عن تشوهات عميقة في سيكولوجية الرأي العام وإدارته للأزمات.
أولاً: صراع الروايات ومعضلة "عدالة القضاء"
تقول السيدة في سرديتها إنها من مواليد عام 1991 في العراق، ونُقلت إلى اليمن عام 2003 بعمر 12 عاماً، وحظيت برعاية خاصة من الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وأنها استخدمت اسم "سمية أحمد الزبيري" كـ"هوية مستعارة" لامرأة متوفاة بعد زواجها من ضابط يمني يُدعى خالد البهشلي لأغراض الحماية الأمنية.
في المقابل، تدعي الأجهزة الأمنية وسلطات الأمر الواقع في صنعاء زيف هذه الرواية، مستندة إلى محاضر تحقيق تضمنت شهادة منسوبة لوالدها (أحمد عيسى الزبيري) وشقيقها تفيد بأنها ابنتهم المولودة في صنعاء عام 1984. ورغم صدور أحكام قضائية في صنعاء تُدين السيدة بجناية تزوير محررات رسمية ورتب عسكرية، إلا أن هذه الأحكام تظل في نظر الكثير من المراقبين محل شك كبير ولا يمكن الجزم بنزاهتها؛ نظراً لغياب القضاء المستقل في مناطق الصراع، وتفشي ظاهرة توظيف المحاكم لتجريد الخصوم أو المستضعفين من ممتلكاتهم لصالح نافذين.
ثانياً: شفرة الفلة والخلط التاريخي المحتمل
في محاولة لتفكيك اللغز خلف الكواليس، تبرر التخمينات عدة مسارات تشرح "من أين أتت الثروة والفلة"، دون وجود رواية رسمية مستقلة تؤكد أي منها:
الاحتمال الأول: قد تكون الفلة الضخمة في الحي السياسي بحدة مقراً سرياً خصصه النظام السابق لإقامة عائلات أو قيادات عسكرية بعثية لاجئة عقب سقوط بغداد، ورُبما تكون "سمية" قد عُينت هناك كمرافقة أو مدبرة منزل لعدة سنوات، حيث يُحتمل أنها تشربت اللهجة وعاشت تفاصيل قصصهم، ثم حاولت لاحقاً استخدام هذه الخلفية كغطاء لادعاء النسب بعد مغادرتهم.
الاحتمال الثاني: رُبما تكون الفلة والممتلكات هبات حقيقية من النظام السابق، ولكن بسبب غياب الظهر القبلي أو السياسي للمرأة عقب أحداث 2017، تحركت شهية "المشرفين الجدد" لمصادرتها تحت لافتة "حجز تحفظي". وحين أدركت السيدة أن وثائقها اليمنية لن تحميها أمام محاكم صنعاء، رُبما قامت باصطناع الهوية العراقية (رتبة عقيد ركن وجوازات سفر) لعلها تحول قضية "نهب عقار" إلى قضية رأي عام سياسي دولي يمنع تصفيتها.
ويرى مراقبون أن الحديث عن إقامة رغد صدام حسين لسنوات في هذه الفلة يصطدم بحقيقة تاريخية؛ فرغد مقيمة في الأردن منذ 2003 ولم تزر اليمن إلا لأيام معدودة عام 2007، مما يرجح أن الكواليس تخفي زواجاً سرياً أو علاقة نفوذ محلي من العهد السابق جرى التغطية عليها لسنوات، وتتحول اليوم إلى غنيمة حرب.
وإذا سألنا المنطق الاجتماعي عن تلك الرواية: أيعقل أن تكون ابنة لصدام وبضيافة رئيس الدولة ولا تُكمل تعليمها الجامعي؟ أين رفقاء مقاعد الدراسة في مدارس النخبة بصنعاء ليتذكروها؟ انعدام الأثر والزملاء في مدارس الصفوة، ودراستها في مدرسة "السلوان" الشعبية بهبرة وتركها التعليم بالثامنة عشرة للتزوج يرجح بقوة فرضية نشأتها في بيئة يمنية بسيطة.
ثالثاً: ظاهرة "النكف الانتقائي" وتغريبة "الدول الأربع"
بعيداً عن تفاصيل التزوير العقاري، فإن الجانب الأكثر إثارة للتساؤل والألم في آن واحد، هو كيف اندفع المجتمع والقبائل ووسائل التواصل الاجتماعي وراء هذه القضية، متناسين مأساتهم الكبرى.
إن المفارقة الصارخة هنا تكمن في أن الشعب اليمني يعيش اسمياً في دولة واحدة، لكنه واقعياً يعيش بداخل "أربع دول" مجزأة جغرافياً وسياحياً واقتصادياً؛ أربع سلطات أمر واقع، وأربعة سجون، وأربعة أسعار للعملة والجوازات، في أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ الحديث.
وهنا يسأل المنطق بمرارة: لماذا لم يطفش هذا الشعب ويَزهَق من وضعه الراهن؟ لماذا لا يعلن النكف العام والنفير القبلي والوطني ضد المعرقلين الحقيقيين لعودة الدولة اليمنية الموحدة؟
انعدام الأمن، وانقطاع الرواتب، وتدمير التعليم، والعيش بلا كهرباء أو دواء؛ كلها قضايا وجودية تمر على اليمنيين كأنها عاهة مستديمة تعايشوا معها واستسلموا لها. ولكن، عندما يظهر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يخص سيدة واحدة وقضية عقارية غامضة، تُقام "المطارح" وتُسحب الأسلحة ويُعلن "النكف"! هذا التباين يشير إلى أن الوعي الجمعي أُصيب بـ"الإنهاك والانتقائية"، وأصبح مؤهلاً فقط لردود أفعال عاطفية يسهل توجيهها نحو قضايا ثانوية، بينما القضية الأم (استعادة الدولة) تُترك منسية.
وتحرك الشيوخ في هذه القضية يظل بدوره محط شك؛ فالشيخ حمد بن فدغم الحزمي، من خلال تبنيه للقضية، قام بجرد وإحصاء ممتلكات ضخمة يقال إن الذهب فيها يقدر بـ 55 كيلوغراماً، والفلة قيمتها تتجاوز 2 مليون ريال سعودي. هذا الحجم الهائل من المال يفتح الباب للتخمين بأن بوصلة الوجاهات القبلية غالباً ما تتحرك حيث توجد الثروة والأضواء ومصادر الترزق، وليس انتصاراً للمستضعفين.
الخاتمة:
في محكمة المنطق، تظل قضية "ميرا" أو "سمية" رمادية ومفتوحة على كل الاحتمالات، لكنها تعري وهماً خطيراً يتعلق بـ"شهامة المشايخ" ومناصرتهم المزعومة للمستضعفين. إن التاريخ القريب لليمن يشهد بأن النفوذ القبلي كان وما زال حجر عثرة أمام بناء الدولة المدنية ومؤسسات القانون بسبب عدم الانصياع لأحكام القضاء والاستقواء بالسلاح. ولطالما سمعنا عن الوجه المظلم لبعض المشايخ الذين استخدموا "زرائب الأبقار" كسجون خاصة لإهانة وحبس رعاياهم والمواطنين الضعفاء لفرض نفوذهم وسلطتهم الفوقية.
تثبت قضية فيلا حدة، أن البوصلة القبلية لا تتحرك للمواطن الضعيف الذي لا يملك ملايين ومخازن ذهب؛ فهذا الأخير يُسجن ويُهمل في غياهب النسيان، بينما تُستنفر القبائل لأجل تركة فارهة. إن الخلاصة الحتمية التي تفرضها هذه الأزمة هي أن اليمن لا يمكن أن يستعيد عافيته بـ"أعراف النكف الانتقائي" في بلاد تمزقها "أربع دول"، بل بنظام مدني وقانوني صارم يبتلع الجميع؛ نظام يضع المشرف والشيخ القبلي والمحتال في كفة واحدة أمام ميزان العدالة، ليتأكد للجميع أن عهد السجون الخاصة خلف حظائر المماشية يجب أن ينتهي إلى الأبد لصالح منطق الدولة الواحدة الحقيقية.





شارك برأيك
لغز "ميرا" في صنعاء: ذهب صدام وأكاذيب القبيلة