لماذا يجب مخاطبة الحكومات الوطنية ....
حين يقال إن الاتحاد الأوروبي قرر، يتخيل كثيرون أن القرار وُلد داخل مبنى في بروكسل بعيداً عن العواصم الأوروبية. لكن الواقع المؤسسي مختلف تماماً. فالسياسات الأوروبية الكبرى، ولا سيما تلك المتعلقة بالعلاقات الخارجية والاتفاقيات الدولية، لا تنفصل عن إرادة الحكومات الوطنية التي تمثل دولها داخل مجلس الاتحاد الأوروبي. ولذلك، فإن أي حملة" كما ذكرنا سابقا "تسعى إلى مراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إنهاء الاتفاقيات والامتيازات الممنوحة لإسرائيل لا ينبغي أن تحصر جهودها في مؤسسات الاتحاد، بل يجب أن تبدأ أيضاً من العواصم الأوروبية نفسها.
الحكومة الوطنية ليست مجرد منفذ لسياسة أوروبية جاهزة، بل هي أحد صناع هذه السياسة. وزير الخارجية، ووزير التجارة، ووزير الاقتصاد، وغيرهم من الوزراء المختصين، يحملون معهم إلى اجتماعات مجلس الاتحاد مواقف حكوماتهم، وهذه المواقف هي التي تتفاعل مع مواقف بقية الدول لتكوين القرار الأوروبي النهائي. ولهذا فإن كل حكومة أوروبية تتحمل مسؤولية مباشرة عن أي قرار يصدر باسم الاتحاد.
ومن هنا، فإن أحد أهداف هذه الحملة هو إنهاء الاعتقاد بأن المسؤولية موزعة على الجميع حتى تضيع بين الجميع. الحقيقة أن لكل حكومة صوتاً، ولكل صوت أثر، ولكل أثر مسؤولية سياسية أمام المواطنين الذين انتخبوها. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى كل حكومة ليس: ما هو موقف الاتحاد الأوروبي؟ بل: ما هو موقفكم أنتم داخل الاتحاد الأوروبي؟
إن الحكومات الأوروبية كثيراً ما تؤكد في بياناتها الرسمية تمسكها بالقانون الدولي، واحترامها لحقوق الإنسان، ودعمها للنظام الدولي القائم على القواعد. وهذه مبادئ مهمة، لكنها لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى مواقف عملية داخل مؤسسات الاتحاد. فإذا كانت حقوق الإنسان شرطاً أساسياً في اتفاقية الشراكة، فإن الدفاع عن هذا الشرط يجب أن ينعكس في التصويت، وفي المفاوضات، وفي الاجتماعات، وفي المواقف الرسمية داخل مجلس الاتحاد.
ولا ينبغي أن يبقى النقاش محصوراً بين الحكومات والمؤسسات الأوروبية. فالمواطن الأوروبي هو صاحب التفويض الديمقراطي الذي تستمد منه الحكومات شرعيتها. ومن حقه أن يعرف كيف تتصرف حكومته باسمه، وكيف تصوت في الملفات الدولية، وما إذا كانت تلتزم فعلاً بالمبادئ التي تعلنها أمام الرأي العام.
ولهذا، فإن الناخب الأوروبي ليس متفرجاً على السياسة الخارجية، بل أحد عناصرها. فكل رسالة يرسلها إلى نائبه الوطني، وكل سؤال يطرحه على حكومته، وكل نقاش يشارك فيه داخل حزبه أو نقابته أو جامعته، يضيف وزناً سياسياً لهذا الملف. والسياسي الأوروبي يدرك جيداً أن القضايا التي تتحول إلى اهتمام انتخابي تصبح أكثر حضوراً في عملية صنع القرار.
ولهذا السبب، ينبغي أن تتوجه الحملة إلى المواطنين الأوروبيين بلغة يفهمونها، وهي لغة سيادة القانون والمساواة في تطبيقه. فالرسالة ليست مطالبة بمعاملة استثنائية، بل برفض الاستثناء. فإذا كانت اتفاقيات الاتحاد الأوروبي تقوم على شروط قانونية واحدة، فلماذا يختلف تطبيقها من دولة إلى أخرى؟ وإذا كانت حقوق الإنسان عنصراً أساسياً في هذه الاتفاقيات، فلماذا تتراجع قيمتها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟
إن هذا السؤال ليس موجهاً إلى الحكومات وحدها، بل إلى الأحزاب السياسية أيضاً. فكل حزب يشارك في الحكم أو يسعى إليه مطالب بأن يحدد موقفه بوضوح. هل يؤيد مراجعة اتفاقية الشراكة؟ هل يؤيد ربط الامتيازات باحترام حقوق الإنسان؟ هل يدعم مراجعة برامج التعاون إذا ثبت الإخلال بالالتزامات الأساسية؟ أم أنه يفضل استمرار الوضع القائم مهما كانت الوقائع؟
كما أن وسائل الإعلام الأوروبية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتغطية الاجتماعات الأوروبية بعد انتهائها، بل متابعة مواقف الحكومات قبل الاجتماعات وأثناءها وبعدها، وكشف أي تناقض بين الخطاب السياسي والممارسة العملية. فالشفافية ليست مطلباً قانونياً فقط، بل شرط أساسي للمساءلة الديمقراطية.
ومن المهم أيضاً أن تعمل منظمات المجتمع المدني على إعداد مؤشرات دورية تبين للرأي العام كيف تتصرف الحكومات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فالقضية لا تتعلق بالشعارات، بل بالتصويت، والمبادرات، والمواقف الرسمية، والاقتراحات التي تقدمها الدول أو تعارضها. وعندما تصبح هذه المعلومات متاحة للمواطنين، يصبح بإمكانهم محاسبة حكوماتهم على أساس الوقائع لا الخطابات.
إن هذه الحملة لا تدعو إلى مواجهة مع أوروبا، بل تدعو أوروبا إلى الالتزام بالقواعد التي وضعتها بنفسها. وهي لا تطالب بمعاملة خاصة، بل بتطبيق متساوٍ للقانون. ولذلك فإن الطريق إلى مراجعة الاتفاقيات والامتيازات لا يمر فقط عبر مؤسسات الاتحاد، بل يمر أيضاً عبر الناخب الأوروبي، والأحزاب السياسية، والبرلمانات الوطنية، والحكومات التي تمثل شعوبها داخل مجلس الاتحاد.
فالقرار الأوروبي لا يبدأ في بروكسل، بل يبدأ عندما يقرر المواطن الأوروبي أن يسأل حكومته سؤالاً بسيطاً وهو إذا كانت حقوق الإنسان شرطاً للشراكة، فهل ستدافعون عن هذا الشرط عندما يحين وقت اتخاذ القرار؟
لا سياسة خارجية بلا مساءلة داخلية.
لا قرار أوروبي بلا مسؤولية وطنية.
لا امتيازات بلا احترام للقانون.
يتبع ....





شارك برأيك
القرار الأوروبي يبدأ من العواصم