اللجان البرلمانية الأوروبية ..بداية صناعة القرار

عندما يسمع الناس عن البرلمان الأوروبي، ينصرف التفكير مباشرة إلى الجلسات العامة والتصويت النهائي. لكن الحقيقة أن معظم القرارات السياسية لا تبدأ في القاعة الكبرى، بل في اللجان البرلمانية المتخصصة. وهناك، بعيداً عن عدسات الإعلام في كثير من الأحيان، تُكتب التقارير، وتُناقش التعديلات، ويُستدعى الخبراء، وتُصاغ التوصيات التي قد تتحول لاحقاً إلى مواقف رسمية للبرلمان الأوروبي.

ولهذا، فإن أي حملة تهدف إلى مراجعة أو تعليق أو عدم تجديد أو إلغاء الاتفاقيات والامتيازات الأوروبية الممنوحة لإسرائيل يجب أن تنظر إلى اللجان البرلمانية باعتبارها إحدى أهم ساحات العمل السياسي والقانوني داخل الاتحاد الأوروبي.

فاللجنة المختصة بالشؤون الخارجية تتابع ملفات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وتناقش أوضاع حقوق الإنسان، وتعد التقارير المتعلقة بالشركاء الدوليين. أما لجنة التجارة الدولية فتنظر في الاتفاقيات التجارية وآثارها القانونية والاقتصادية، وتتابع تنفيذ الالتزامات التجارية التي تربط الاتحاد الأوروبي بالدول الأخرى. كما تضطلع اللجان المعنية بحقوق الإنسان، والميزانية، والبحث العلمي، وغيرها، بأدوار مؤثرة كلما تعلق الأمر بالبرامج الأوروبية أو التمويل أو التعاون المؤسسي.

وهذا يعني أن معركة مراجعة الاتفاقيات لا تبدأ عند التصويت النهائي، بل تبدأ عندما يُكتب أول تقرير، أو عندما تُدرج أول جلسة استماع، أو عندما يوافق رئيس لجنة على إدراج ملف معين في جدول الأعمال. ومن هنا تأتي أهمية التحرك المبكر، لأن التأثير في بداية المسار يكون في كثير من الأحيان أكثر فاعلية من محاولة تغيير النتيجة في نهايته.

ولهذا، فإن الرسائل الموجهة إلى أعضاء البرلمان الأوروبي يجب ألا تكون عامة، بل ينبغي أن تراعي اختصاص كل نائب. فعضو لجنة التجارة الدولية يمكن مطالبته بمراجعة الامتيازات التجارية، وعضو لجنة الشؤون الخارجية يمكن مطالبته بالدفع نحو مناقشة تنفيذ المادة الثانية من اتفاقية الشراكة، وعضو لجنة حقوق الإنسان يمكن مطالبته بعقد جلسات استماع واستقبال الخبراء والمنظمات الحقوقية.

إن نجاح أي حملة ضغط يعتمد على فهم آلية عمل المؤسسة المستهدفة. والبرلمان الأوروبي لا يتحرك بالخطابات وحدها، بل بالوثائق، والتقارير، والتعديلات، وجلسات الاستماع، والقرارات التي تمر عبر اللجان المختصة. ولذلك فإن تجاهل هذه المرحلة يعني خسارة فرصة التأثير في اللحظة التي تتشكل فيها المواقف.

كما أن اللجان البرلمانية تمثل مساحة مهمة للتعاون بين النواب من مختلف الكتل السياسية. فالقضايا المتعلقة بحقوق الإنسان وسيادة القانون كثيراً ما تجمع نواباً من اتجاهات سياسية متعددة، إذا قدمت لهم الحجج القانونية بصورة دقيقة، بعيداً عن الخطاب الانفعالي. وهذا ما يجعل الملف القانوني الموثق أكثر تأثيراً من أي حملة إعلامية عابرة.

ومن هنا، ينبغي أن تتجه جهود منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والمراكز البحثية، إلى تزويد اللجان البرلمانية بالدراسات القانونية، والتقارير الحقوقية، والتحليلات الاقتصادية، التي تساعد النواب على بناء مواقفهم على أساس الوقائع، لا على أساس الضغوط السياسية وحدها.

ولا يقل دور الناخب الأوروبي أهمية في هذه المرحلة. فمن حقه أن يعرف في أي لجنة يعمل نائبه، وما هي الملفات التي يتابعها، وما إذا كان قد استخدم موقعه للدفاع عن احترام القانون الأوروبي، أم اكتفى بحضور الجلسات دون مبادرة. فالمساءلة الديمقراطية لا تقتصر على التصويت في الانتخابات، بل تشمل متابعة أداء الممثلين المنتخبين داخل المؤسسات طوال مدة ولايتهم.

إن كثيراً من الملفات التي غيرت سياسات الاتحاد الأوروبي بدأت بتقرير داخل لجنة برلمانية، ثم تحولت إلى نقاش عام، ثم إلى قرار سياسي. ولهذا، فإن اللجان ليست مرحلة إجرائية ثانوية، بل هي المختبر الحقيقي الذي تتشكل فيه السياسات الأوروبية قبل أن تصل إلى التصويت النهائي.

إن الحملة التي تسعى إلى مراجعة الاتفاقيات الأوروبية مع إسرائيل يجب أن تكون حاضرة في هذه المرحلة المبكرة. فكل تقرير يُكتب، وكل جلسة تُعقد، وكل تعديل يُقترح، قد يكون بداية لتحول سياسي أكبر. أما انتظار الجلسة العامة وحدها، فهو يعني في كثير من الأحيان الوصول بعد أن تكون معظم ملامح القرار قد رُسمت بالفعل.

لهذا، فإن رسالتنا إلى أعضاء اللجان البرلمانية الأوروبية واضحة,, مسؤوليتكم لا تبدأ عند التصويت، بل تبدأ عندما تقررون أي القضايا تستحق أن تُناقش، وأي التقارير تستحق أن تُكتب، وأي المبادئ يجب أن تُترجم إلى سياسات.

ورسالتنا إلى الناخب الأوروبي أكثر وضوحاً... اسأل نائبك، ليس فقط كيف صوّت، بل ماذا فعل داخل اللجنة التي ينتمي إليها، لأن هناك تبدأ صناعة القرار.

لا رقابة بلا لجان.
لا سياسة بلا تقارير.
لا مساءلة بلا متابعة.

يتبع ...

95 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

اللجان البرلمانية الأوروبية ..بداية صناعة القرار