الميزانية يجب ان تتحول الى اداة مساءلة
حين يدور الحديث عن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ينصرف الاهتمام غالباً إلى اتفاقية الشراكة، أو التجارة، أو التعاون السياسي، بينما يغيب عن النقاش ملف لا يقل أهمية، وهو الأموال الأوروبية التي تمول برامج التعاون المختلفة، سواء في مجالات البحث العلمي، أو الابتكار، أو التعليم، أو المشاريع المشتركة، أو غيرها من البرامج التي تشارك فيها مؤسسات إسرائيلية وفق القواعد الأوروبية المعمول بها.
وهنا يبرز سؤال قانوني وسياسي بالغ الأهمية، هل يملك الاتحاد الأوروبي أدوات لمراجعة هذه البرامج إذا ثارت تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالشروط التي تقوم عليها العلاقة بين الطرفين؟
الإجابة أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لا تتعامل مع الميزانية باعتبارها مجرد أرقام مالية، بل باعتبارها أداة لتنفيذ السياسات الأوروبية. ولهذا فإن كل يورو يُنفق من ميزانية الاتحاد يخضع لمنظومة قانونية ورقابية معقدة، تشارك فيها المفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي، ومجلس الاتحاد الأوروبي، وهيئات الرقابة المالية.
ومن هنا، فإن المطالبة بمراجعة برامج التعاون مع إسرائيل ليست مطالبة بقطع التمويل بصورة تلقائية، وإنما مطالبة بإخضاع هذا التمويل للرقابة نفسها التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على سائر برامجه الدولية.
فالبرلمان الأوروبي، بصفته أحد جناحي السلطة المالية في الاتحاد، يناقش الميزانية الأوروبية، ويراقب تنفيذها، ويطلب من المفوضية الأوروبية تفسير كيفية إنفاق الأموال العامة، ومدى توافق هذا الإنفاق مع القوانين والسياسات الأوروبية. كما يستطيع عبر لجانه المختصة أن يثير أسئلة حول مشاركة جهات معينة في برامج ممولة من الاتحاد الأوروبي، وأن يطالب بمراجعة معايير المشاركة أو آليات الرقابة إذا ظهرت أسباب قانونية أو سياسية تستدعي ذلك.
ولهذا، فإن الدور الرقابي للبرلمان لا يقتصر على إصدار البيانات السياسية، بل يمتد إلى مساءلة المفوضية عن كيفية إدارة الأموال الأوروبية، وعن الضمانات الموضوعة لضمان توافق الإنفاق مع الالتزامات القانونية للاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، تتحمل المفوضية الأوروبية مسؤولية تنفيذ الميزانية، وإدارة البرامج الأوروبية، والتأكد من احترام القواعد المنظمة لكل برنامج. ولذلك فإن أي دعوة إلى مراجعة مشاركة مؤسسات إسرائيلية في برنامج أوروبي يجب أن تستند إلى النصوص القانونية الخاصة بذلك البرنامج، وإلى الوقائع الموثقة، لا إلى المواقف السياسية وحدها.
ومن المهم أيضاً التمييز بين البرامج المختلفة. فليست جميع برامج الاتحاد الأوروبي تخضع للإطار القانوني نفسه، ولا تتمتع بالمعايير ذاتها. فلكل برنامج نظامه القانوني، وشروطه، وآليات مراجعته. ولذلك فإن الحملة الناجحة لا ترفع مطلباً عاماً بوقف جميع أوجه التعاون، وإنما تدرس كل برنامج على حدة، وتحدد أساسه القانوني، والجهة المختصة باتخاذ القرار بشأنه، والوسائل القانونية المتاحة لمراجعته.
وهنا يأتي دور النواب الأوروبيين مرة أخرى. فمن حق كل نائب أن يسأل المفوضية عن كيفية تطبيق قواعد البرامج الأوروبية، وأن يطلب معلومات عن الجهات المستفيدة، وأن يناقش مدى توافق المشاركة مع المبادئ التي يلتزم بها الاتحاد الأوروبي. وهذه الرقابة البرلمانية ليست عملاً سياسياً فحسب، بل جزء من الوظيفة الدستورية للبرلمان في النظام المؤسسي الأوروبي.
أما المواطن الأوروبي، فهو صاحب هذه الأموال في نهاية المطاف. فالميزانية الأوروبية تمول من الموارد التي توفرها الدول الأعضاء وفق النظام المالي للاتحاد. ومن حق دافع الضرائب الأوروبي أن يعرف كيف تُنفق الأموال العامة، وما إذا كانت تخضع للمعايير القانونية نفسها في جميع الحالات دون استثناء.
ولهذا، ينبغي أن تتحول الأسئلة المالية إلى جزء من النقاش العام. ليس السؤال فقط , هل توجد اتفاقية؟ بل أيضاً كيف تُدار الأموال المرتبطة بها؟ وهل تخضع للرقابة الكافية؟ وهل تطبق القواعد الأوروبية بصورة متساوية على جميع الشركاء؟
إن الشفافية المالية ليست قضية محاسبية فحسب، بل قضية سيادة قانون. وكلما ازداد وضوح كيفية إدارة الأموال الأوروبية، ازدادت قدرة المواطنين والبرلمانيين ووسائل الإعلام على مساءلة المؤسسات الأوروبية عن مدى التزامها بالقواعد التي وضعتها بنفسها.
ولهذا، فإن مراجعة برامج التعاون والتمويل لا ينبغي أن تُطرح باعتبارها عقوبة سياسية، بل باعتبارها تطبيقاً عادياً لمبادئ الإدارة الرشيدة، والرقابة الديمقراطية، واحترام شروط الشراكة التي يقوم عليها النظام القانوني للاتحاد الأوروبي.
فالمال العام الأوروبي ليس امتيازاً دائماً، ولا حصانة لأي جهة، بل يخضع، مثل غيره، للمراجعة، والرقابة، والمساءلة، كلما اقتضى القانون ذلك.
لا أموال عامة بلا رقابة.
لا ميزانية بلا مساءلة.
لا شراكة مالية فوق القانون.
يتبع ...





شارك برأيك
المال الأوروبي ليس حقاً مكتسباً