برنامج التمويل العلمي الاوروبي " Horizon Europe"

التمويل العلمي أداة مساءلة

حين يُذكر التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، يتجه الاهتمام غالباً إلى التجارة أو السياسة أو اتفاقية الشراكة، بينما يبقى أحد أكبر مجالات التعاون بعيداً عن النقاش العام، وهو التعاون في البحث العلمي والابتكار. ومع أن هذا التعاون يبدو للوهلة الأولى شأناً أكاديمياً بحتاً، إلا أنه في الواقع يمثل أحد أهم ملفات العلاقة بين الطرفين، لأنه يرتبط بتمويل أوروبي ضخم، وبنقل المعرفة، وبناء القدرات العلمية والتكنولوجية.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع، هل المشاركة في برامج البحث العلمي الأوروبية حق دائم لأي دولة شريكة، أم أنها امتياز يخضع للشروط نفسها التي تحكم بقية علاقات الاتحاد الأوروبي الخارجية؟

الإجابة تبدأ من مبدأ أساسي في القانون الأوروبي، وهو أن برامج الاتحاد الأوروبي ليست منفصلة عن القيم التي يقوم عليها الاتحاد نفسه. فالتمويل الأوروبي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتنفيذ سياسات الاتحاد وتعزيز أهدافه المنصوص عليها في المعاهدات، وفي مقدمتها احترام سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي.

ويعد برنامج Horizon Europe أكبر برنامج للبحث والابتكار في تاريخ الاتحاد الأوروبي، إذ خصصت له ميزانية تقارب 95.5 مليار يورو للفترة 2021 إلى 2027، ويشارك فيه عدد من الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقيات خاصة وشروط قانونية محددة. وهذه المشاركة ليست عضوية تلقائية، ولا حقاً مكتسباً، وإنما تقوم على إطار قانوني يمكن مراجعته وفق القواعد المنظمة للبرنامج والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة.

ومن المهم هنا التمييز بين أمرين, فالحملة لا تدعو إلى وقف البحث العلمي أو معاقبة العلماء بسبب جنسيتهم، ولا تستهدف التعاون الأكاديمي بوصفه قيمة إنسانية. وإنما تدعو إلى مراجعة مشاركة المؤسسات التي قد تكون مرتبطة مباشرة أو بصورة وثيقة بمشروعات عسكرية، أو أمنية، أو بتطوير تقنيات ذات استخدام مزدوج، إذا كان ذلك يثير تساؤلات جدية حول اتساق التمويل الأوروبي مع المبادئ التي يلتزم بها الاتحاد الأوروبي.

وهذا التمييز ليس سياسياً فقط، بل قانوني أيضاً. فالاتحاد الأوروبي يفرض بالفعل ضوابط أخلاقية وقانونية على تمويل الأبحاث، ويخضع كثيراً من المشروعات لتقييمات تتعلق بالامتثال للقواعد الأوروبية، وحماية الحقوق الأساسية، والاستخدام المسؤول للنتائج العلمية. ولذلك، فإن المطالبة بمراجعة بعض أوجه المشاركة لا تعني الخروج على النظام الأوروبي، بل استخدام الآليات التي يوفرها هذا النظام نفسه.

وفي هذا السياق، يبرز دور المفوضية الأوروبية باعتبارها الجهة التي تدير البرنامج وتشرف على تنفيذه، كما يبرز دور البرلمان الأوروبي في ممارسة الرقابة السياسية والمالية على كيفية إدارة أموال الاتحاد، ودور مجلس الاتحاد الأوروبي في اعتماد الإطار القانوني والمالي للبرنامج. وهذا يعني أن مراجعة أي جانب من جوانب المشاركة لا تتم بقرار فردي، وإنما عبر المؤسسات الأوروبية المختصة، ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون الأوروبي.

ومن هنا، فإن الضغط ينبغي أن يكون محدداً ودقيقاً. فبدلاً من المطالبة العامة بوقف التعاون العلمي، يمكن مطالبة النواب الأوروبيين باستخدام أدواتهم الرقابية لطرح أسئلة على المفوضية الأوروبية حول معايير اختيار المؤسسات المشاركة، وآليات التحقق من الامتثال، والإجراءات المتبعة عندما تثار مخاوف قانونية أو أخلاقية تتعلق بمؤسسة معينة أو مشروع معين.

كما يمكن مطالبة المفوضية بنشر مزيد من الشفافية حول كيفية تطبيق قواعد البرنامج، ومدى مراعاة الالتزامات القانونية والأخلاقية عند تقييم طلبات التمويل، وآليات المراجعة المتاحة إذا ظهرت معطيات جديدة تستدعي إعادة النظر في استمرار المشاركة.

أما الناخب الأوروبي، فهو معني بهذا الملف بصورة مباشرة، لأن التمويل المخصص للبحث العلمي هو جزء من الميزانية العامة للاتحاد الأوروبي، التي تمول من موارده المشتركة. ومن حق دافع الضرائب الأوروبي أن يعرف كيف تُدار هذه الأموال، وما إذا كانت تخضع للمعايير نفسها في جميع الحالات، دون استثناء أو انتقائية.

ولهذا، ينبغي أن يكون السؤال المطروح على المرشحين والأحزاب السياسية واضحاً، هل تؤيدون تطبيق معايير الاتحاد الأوروبي بصورة متساوية على جميع المشاركين في برامجه البحثية !!! وهل تؤيدون مراجعة المشاركة إذا ظهرت أسباب قانونية أو أخلاقية جدية تستوجب ذلك؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف مدى الالتزام الحقيقي بمبدأ المساواة أمام قواعد الاتحاد الأوروبي.

إن القضية، في جوهرها، ليست قضية علم ضد سياسة، ولا تعاون ضد مقاطعة، بل قضية اتساق بين المبادئ والممارسة. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يربط برامجه بقيم معلنة، فإن المحافظة على مصداقية هذه القيم تقتضي أن تخضع جميع المشاركات للمعايير نفسها، وأن تبقى المراجعة القانونية والرقابية متاحة كلما استدعت الظروف ذلك.

إن احترام البحث العلمي يقتضي أيضاً احترام القواعد التي تنظمه. وأقوى البرامج الأوروبية ليست تلك التي تنفق أكبر قدر من الأموال، بل تلك التي تطبق معاييرها بعدالة وشفافية على الجميع دون استثناء.

لا تمويل بلا رقابة.
لا امتياز بلا معايير.
لا شراكة علمية فوق سيادة القانون.

يتبع ...

287 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

برنامج التمويل العلمي الاوروبي " Horizon Europe"