قواعد المنشأ ومنتجات المستوطنات

الضغط التجاري الاوروبي الحقيقي

إذا كان ملف التمويل العلمي الذي طرحناه في الحلقة السابقة يكشف جانباً من الامتيازات غير المرئية التي تستفيد منها إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، فإن ملف التجارة وقواعد المنشأ يكشف جانباً آخر لا يقل أهمية. فالعلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لا تقوم فقط على تبادل السلع، بل على نظام تفضيلي يمنح المنتجات ذات المنشأ الإسرائيلي معاملة خاصة داخل السوق الأوروبية وفق شروط محددة.

وهنا يبدأ السؤال الجوهري ما المقصود بالمنتج الإسرائيلي؟ وهل يجوز أن تستفيد منتجات المستوطنات المقامة على أرض محتلة من الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً فنياً في عمل الجمارك، بل هو في قلب العلاقة بين التجارة والقانون الدولي. فالاتحاد الأوروبي لا يعترف بسيادة إسرائيل على الأراضي التي احتلتها عام 1967، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السوري المحتل. ولذلك، فإن المنتجات القادمة من المستوطنات لا يجوز أن تعامل باعتبارها منتجات إسرائيلية مؤهلة للاستفادة من الامتيازات الجمركية الممنوحة بموجب اتفاقية الشراكة.

ومن هنا تبرز أهمية قواعد المنشأ. فهذه القواعد هي التي تحدد متى يمكن اعتبار منتج ما ذا منشأ إسرائيلي مؤهل للتفضيلات التجارية الأوروبية. وإذا كانت هذه القواعد فضفاضة أو لا تخضع لرقابة كافية، فإنها قد تسمح عملياً بمرور منتجات من المستوطنات أو من مناطق غير مؤهلة تحت غطاء منشأ إسرائيلي، فتستفيد من امتيازات لا تستحقها.

ولهذا، فإن الضغط التجاري الحقيقي لا يبدأ دائماً من الدعوة إلى إلغاء الاتفاقية كلها، بل يبدأ من مطالبة الاتحاد الأوروبي بتطبيق صارم لقواعده القائمة. فقبل الحديث عن الإنهاء الكامل، يجب أن يُسأل الاتحاد الأوروبي, هل تراقب سلطاته الجمركية المنشأ الحقيقي للبضائع؟ هل تتحقق من الرموز البريدية ومواقع الإنتاج؟ هل تمنع بصورة فعالة استفادة منتجات المستوطنات من المعاملة التفضيلية؟ هل تنشر بيانات واضحة حول حجم الواردات المشكوك في منشئها؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف التجارة المشروعة، بل تستهدف الامتياز غير المشروع. فالتمييز بين منتجات داخل إسرائيل المعترف بها أوروبياً ومنتجات المستوطنات ليس موقفاً سياسياً جديداً، بل نتيجة مباشرة لموقف قانوني أوروبي قائم منذ سنوات. ومن واجب المؤسسات الأوروبية أن تترجم هذا الموقف إلى رقابة جمركية دقيقة، وإلى شفافية في التطبيق، وإلى مساءلة للشركات التي تخلط بين المنتجات أو تقدم بيانات منشأ غير دقيقة.

وفي هذا الملف تحديداً، يبرز دور المفوضية الأوروبية والسلطات الجمركية الوطنية في الدول الأعضاء. فالمفوضية تملك دوراً في توضيح القواعد وتوجيه التطبيق، أما الجمارك الوطنية فهي التي تتعامل عملياً مع شهادات المنشأ وتقرر ما إذا كان المنتج مؤهلاً للتفضيل الجمركي أم لا. وهذا يعني أن الضغط يجب أن يتوجه إلى بروكسل والعواصم في آن واحد.

أما البرلمان الأوروبي، فيستطيع أن يفتح هذا الملف عبر الأسئلة البرلمانية وجلسات الاستماع والتقارير المتعلقة بالتجارة الدولية. ويمكن لأعضاء لجنة التجارة الدولية أن يسألوا المفوضية عن آليات التحقق من المنشأ، وعن مدى التزام إسرائيل بالتعاون الإداري، وعن الإجراءات المتخذة لمنع استفادة المستوطنات من امتيازات الاتفاقية.

ولا ينبغي أن يبقى الناخب الأوروبي بعيداً عن هذا النقاش. فالمستهلك الأوروبي له حق في معرفة مصدر المنتجات التي يشتريها، وله حق في ألا تتحول السوق الأوروبية إلى مساحة تمنح امتيازات غير مباشرة لمنظومة الاستيطان. ولذلك، فإن الشفافية في وضع العلامات، والوضوح في بلد المنشأ، والرقابة على شهادات الجمارك، ليست مسائل فنية فقط، بل حقوق للمستهلك ومسؤوليات سياسية.

إن قواعد المنشأ قد تبدو في ظاهرها موضوعاً جمركياً معقداً، لكنها في الحقيقة إحدى أكثر أدوات الضغط واقعية. فهي لا تحتاج إلى انتظار توافق كامل على إلغاء الاتفاقيات، بل إلى تطبيق صارم للقانون القائم. وإذا كان الاتحاد الأوروبي جاداً في عدم الاعتراف بالمستوطنات، فعليه ألا يسمح لها بالاستفادة من امتيازات السوق الأوروبية.

ولا يقتصر الأمر على منع التفضيل الجمركي. فالحملة يجب أن تذهب أبعد من ذلك، نحو المطالبة بسياسة أوروبية واضحة تمنع أي استفادة اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة من النشاط الاستيطاني. فالمستوطنات ليست مجرد مسألة منشأ تجاري، بل جزء من بنية احتلال تخالف القانون الدولي وتخلق وقائع دائمة على الأرض.

ولهذا، فإن الرسالة إلى المؤسسات الأوروبية يجب أن تكون حاسمة, لا يمكن أن تقولوا إن المستوطنات غير شرعية، ثم تسمحوا لمنتجاتها بالمرور إلى السوق الأوروبية بامتيازات أو بوضوح ناقص أو برقابة ضعيفة. ولا يمكن أن تدافعوا عن القانون الدولي في الخطاب، ثم تتركوا الجمارك وحدها تتحمل عبء التناقض السياسي.

إن ملف قواعد المنشأ يمثل اختباراً عملياً لجدية الاتحاد الأوروبي. فهنا لا يحتاج الاتحاد إلى إعلان كبير، بل إلى تطبيق دقيق، وإلى رقابة صارمة، وإلى شفافية كاملة. وكلما طُبقت هذه القواعد بجدية، ضاقت المساحة التي تتحرك فيها الامتيازات غير المستحقة.

لا امتيازات لمنتجات المستوطنات.
لا منشأ مزور فوق القانون.
لا تجارة تلتف على الاحتلال.

يتبع ...

134 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد فاخوري

بقلم

جمال عبيد فاخوري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

قواعد المنشأ ومنتجات المستوطنات