الجسد قد يُحاصر، أما العقل فلا قيد عليه


جاءت هذه المقالة استلهاماً مما سمعناه من روايات حيّة وتجارب إنسانية عميقة نقلها أسرى محررون، خرجوا من عتمة السجن وغياهب الجبّ، وهم أكثر إيماناً بالحياة والعلم والطموح. فقد واصل كثير منهم السير قدماً بعد تحررهم، والتحقوا بالجامعات، وطرقوا أبواب الدراسات العليا، وحوّلوا سنوات القيد إلى قوة داخلية دفعتهم نحو التميز والارتقاء. ومن خلال هذه الشهادات، يتضح أن الأسير لا يغادر السجن بجسده فقط، بل يخرج حاملاً وعياً متقدماً، وإرادة صلبة، ورسالة تربوية ووطنية، مفادها أن العلم قادر على أن يرفع الإنسان مهما اشتدت عليه الظروف.
ليست الحكاية في السجون حكاية جدران وأسلاك وأبواب موصدة فقط؛ فهناك، في المساحات الضيقة التي يُراد لها أن تكسر الإنسان او تقتله، يولد معنى آخر للحياة. في داخل الزنازين، حيث يُحاصر الجسد، يفتح الأسرى نوافذهم الخاصة على المعرفة، ويصنعون من الكتاب وحلقات النقاش ودفتر الملاحظات شكلاً عميقاً من أشكال المقاومة الهادئة. إنهم لا يدرسون ترفاً، ولا يطلبون الشهادة بوصفها ورقة تضاف إلى سيرتهم الذاتية، بل يبحثون عن ذواتهم في العلم، وعن كرامتهم في المعرفة، وعن مستقبل ينتظرهم خارج القضبان.
لقد أثبت الأسرى، عبر تجارب طويلة، أن التعليم داخل السجون ليس نشاطاً عابراً، بل مساحة حياة ووعي وصمود. فبين الأسرى من دخل السجن في مقتبل العمر ولم تتح له فرصة إكمال تعليمه، ومنهم من كان طالباً جامعياً انقطعت به الطريق، ومنهم من راكم خبرة ثقافية وفكرية جعلته معلماً وموجهاً لغيره. ومن هنا تشكّلت داخل السجون مجموعات تعليمية وتثقيفية تراعي اختلاف الأعمار، وتباين المستويات التعليمية، وتنوع القدرات والميول؛ فهناك من يبدأ من أساسيات القراءة والكتابة، وهناك من يناقش قضايا الفكر والسياسة والتاريخ، وهناك من يتابع مقررات جامعية أو دراسات عليا. وكأن السجن، على قسوته، قد تحوّل إلى مدرسة غير تقليدية، تدرّس الصبر والانتماء إلى جانب المعرفة.
وأجمل ما في هذه التجربة أن التعليم بين الأسرى يقوم على روح التكافل المعرفي. فالأسير المتعلم لا يحتفظ بما يعرف لنفسه، بل يمنحه لرفاقه. ومن امتلك خبرة في اللغة أو التاريخ أو القانون أو التربية أو العلوم الاجتماعية، صار معلماً داخل الأسر. ومن قرأ كتاباً لخّصه لغيره، ومن فهم فكرة ناقشها مع من حوله، ومن قطع مرحلة تعليمية مدّ يده لمن بدأ الطريق. بهذا المعنى، لا يكون التعليم داخل السجن جهداً فردياً فحسب، بل يصبح مسؤولية جماعية، ومشروعاً أخلاقياً وثقافياً يصون الوعي من الانكسار.
ومن منظور تربوي، فإن هذه التجربة تستحق قراءة عميقة؛ لأنها تكشف أن الدافعية الحقيقية للتعلم لا تصنعها القاعات الواسعة وحدها، ولا الوسائل الحديثة فقط، بل يصنعها الإيمان بالمعنى. حين يشعر الإنسان أن العلم يرمم روحه، ويحمي وعيه، ويمنحه قدرة على فهم العالم، فإنه يتمسك به حتى في أصعب الظروف. ولهذا نجد كثيراً من الأسرى أكثر انضباطاً في التعلم، وأكثر تقديراً لقيمة الوقت، وأكثر وعياً برسالة المعرفة من كثيرين توافرت لهم الفرص خارج الأسوار.
إن فتح أبواب الجامعة أمام الأسرى لاستكمال تعليمهم ودراساتهم العليا ليس مجرد إجراء أكاديمي، بل موقف وطني وتربوي وإنساني له دلالته العميقة. فالجامعة، حين تحتضن الأسرى، تؤكد أن رسالتها لا تقف عند حدود الحرم الجامعي، ولا تُختصر في القاعات والمباني، بل تمتد إلى كل عقل فلسطيني يتوق إلى المعرفة، وكل إنسان حُرم من حريته ولم يتنازل عن حلمه. إنها تفتح لهم أبواباً وآفاقاً، وتقول لهم إن الطريق إلى المستقبل لم يُغلق، وإن المجتمع الأكاديمي لا ينساهم، وإن حقهم في التعليم باقٍ لا يسقط بالقيد ولا بالمكان. ولجامعاتنا التي فتحت هذه الأبواب كل التقدير والاحترام، لأنها لم تحتضن طلبة فحسب، بل احتضنت حكايات صبر وإرادة تستحق أن تُروى.
ولا شك أن التحاق الأسرى بالجامعات، ونيلهم الشهادات العليا، يترك أثراً عميقاً في نفوسنا جميعاً. فنجاح الأسير في متابعة تعليمه لا يمثل إنجازاً شخصياً له وحده، بل هو رسالة لكل طالب وطالبة بأن الإرادة قادرة على تحويل المحنة إلى منحة، وأن الإنسان يستطيع أن ينتصر لذاته بالمعرفة حتى حين تُسلب منه أبسط شروط الحياة الطبيعية. إنهم قدوة للجيل الصاعد، لا لأنهم تحملوا الأسر فقط، بل لأنهم رفضوا أن يسمحوا للأسر بأن يصادر وعيهم وطموحهم.
إن الأسرى الذين يحلمون بالجامعة، والماجستير، والدكتوراه، لا ينظرون إلى التعليم بوصفه رفاهية، بل بوصفه امتداداً لحريتهم المقبلة. فهم ينتظرون لحظة فك أسرهم لا ليبدأوا من الصفر، بل ليعودوا إلى المجتمع أكثر وعياً، وأكثر قدرة على العطاء، وأكثر استعداداً للمشاركة في البناء. ومن هنا، فإن واجب المؤسسات التعليمية والوطنية أن ترى في تعليم الأسرى استثماراً في الإنسان الفلسطيني، وفي الذاكرة الوطنية، وفي المستقبل.
إن الأسرى يستحقون أن تُفتح لهم الأبواب، وأن تُذلل أمامهم الصعوبات، وأن تُبنى لهم مسارات أكاديمية مرنة تراعي ظروفهم، وتحترم قدراتهم، وتستثمر ما لديهم من خبرات ومعارف. يستحقون أن يجدوا جامعة تؤمن بهم، وأساتذة يساندونهم، ومجتمعاً يرى في شهاداتهم انتصاراً للعلم والكرامة معاً.
في النهاية، قد يستطيع السجن أن يقيّد الحركة، لكنه لا يستطيع أن يمنع الفكرة من أن تكبر. وقد يحاصر الجسد، لكنه يعجز عن محاصرة عقل قرر أن يتعلم. وبين القيد والكتاب، يكتب الأسرى درساً فلسطينياً عميقاً(أن الحرية تبدأ من الداخل، وأن العلم حين يسكن العقل والقلب يصبح وطناً لا تستطيع الجدران أن تغلقه).

ثقافة - تكنولوجيا - اسرة
14 مشاهدة
0 تعليق
د. ابتهاج البكري

بقلم

د. ابتهاج البكري

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الجسد قد يُحاصر، أما العقل فلا قيد عليه