تتكرر المشاهد ذاتها، وكأننا عالقون في حلقة مفرغة من "طقوس الوداع". في كل مرة يغيب فيها بطل من الابطال ، أو يذوي عمرُ رجلٍ كـ "ماهر يونس" في معازل القهر، تكتسي منصاتنا بالسواد، وتتزاحم الكلمات الباكية التي تقتات على ألم الفراق. لكنّ الحقيقة التي نهرب منها هي أننا أصبحنا بارعين في الرثاء، وفاشلين في الإنقاذ. لقد تحولنا إلى أمةٍ تُجيد البكاء على الأطلال البشرية، بينما "مئة ماهر يونس" بيننا يواجهون المجهول، ينتظرون فعلاً يغمرهم بالحياة، لا قصيدةً تخلد ذكراهم.
إن الصدمة الكبرى التي نغض الطرف عنها هي "الاغتصاب" الممنهج لأعمارهم وكرامتهم. لقد تحولت أجسادهم في عتمة التجاهل إلى ساحاتٍ للاستباحة، حيث يُمارس العنف الجنسي كسلاحٍ لكسر الإرادة. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى في "صمتنا المريب". إن مؤسساتنا الرسمية والشعبية التي تتشدق بالدفاع عن الأبطال ، تختار -بكل جبن- غض الطرف عن ضحايا العنف الجنسي، وكأنها تخشى مواجهة حقيقة مؤلمة لا تناسب الصورة النمطية للبطل. هذا التجاهل ليس مجرد تقصير، بل هو "اغتصاب ثانٍ" للضحية، حيث نتركه يواجه صدمته وحيداً، خوفاً من "وصمة عار" اجتماعية نحن من صنعها.
لماذا نغلف خذلاننا بدموع الشاشات؟ لماذا نرفض الاعتراف بأن هناك أبطالاً استُبيحت خصوصيتهم، ونحرمهم من حقهم في التأهيل والاحتضان؟ إن التخدير العاطفي بالرثاء ليس إلا خذلاناً، ونحن اليوم أمام استحقاق أخلاقي لنقل قضية الأسرى من "موسمية الحزن" إلى "استراتيجية الحماية".
إن العون الحقيقي ليس إحساناً، بل هو انتفاضة وعيٍ تكسر التابوهات. نحن مدعوون الان للاهتمام بهم واعادة الحياة الى ارواحهم ، ولبناء منظومات حماية وطنية تُحيط بالضحايا وتضمن لهم استعادة توازنهم النفسي والاجتماعي بعيداً عن نظرات الانتقاص. إن صمتنا عن أوجاعهم اليوم هو تغييبٌ متعمد لمستقبلنا؛ فالبطل ليس فقط من صمد في زنزانته، بل هو أيضاً من نستطيع أن نحتضن أوجاعه، بما فيها تلك التي يمنعنا خجلنا الاجتماعي من سماعها.
يا سادة، لقد أثقلنا كواهلنا بالمرثيات، فليكن التزامنا بالعمل هو ردنا الوحيد. لنكن أمةً تُبادر، تُخطط، وتنتزع الحقوق، لا أمةً تكتفي باجترار ذكريات من دفعوا الثمن نيابةً عنها. الأسرى أمانةٌ في أعناقنا، وحمايتهم تبدأ حين نتوقف عن البكاء، ونمتلك الشجاعة لنواجه الحقائق المرة، ونحتضن ضحايا العنف بكرامةٍ تليق بتضحياتهم. الأحرار الذين بيننا يستحقون منا فعلاً حقيقياً لا شفقةً عابرة.





شارك برأيك
توقفوا عن بكاء ماهر يونس واهتموا بالأحرار الذين هم بينكم