يمثل برنامج «أرتميس» الفضائي الطموح الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، أوسع محاولة دولية لاستكشاف الفضاء البشري في التاريخ الحديث، حيث يهدف إلى إعادة الإنسان إلى سطح القمر وتأسيس وجود مستدام هناك. وقد بلغ عدد الدول الموقعة على هذه الاتفاقات حتى اللحظة 64 دولة، شملت قوى اقتصادية كبرى مثل المملكة المتحدة واليابان وإيطاليا وكندا والبرازيل، مما يعكس رغبة عالمية في تنظيم الأنشطة الفضائية المستقبلية.
وعلى الصعيد العربي، سجلت ست دول حضوراً بارزاً في هذا التحالف العالمي، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والمغرب والبحرين وسلطنة عمان. ويعكس هذا الانضمام تزايد الاهتمام العربي بقطاع الفضاء كجزء من رؤى التنمية الوطنية والتحول التكنولوجي، والمساهمة في صياغة القوانين التي ستحكم الموارد الفضائية في العقود المقبلة.
في المقابل، يبرز غياب قوى فضائية عريقة مثل روسيا والصين عن هذا الاتفاق، مما يشير إلى حالة من الاستقطاب السياسي التي انتقلت من الأرض إلى الفضاء الخارجي. ويرى مراقبون أن هذا الانقسام قد يؤدي إلى نشوء معايير تقنية وقانونية متنافسة، خاصة في ظل سعي كل طرف لفرض رؤيته حول كيفية استغلال الموارد القمرية وبناء القواعد الدائمة.
تعتبر اتفاقات «أرتميس» صمام أمان لمواجهة التوسع المتسارع للفضاء التجاري الذي يقوده أثرياء العالم وشركات خاصة عملاقة مثل «سبيس إكس» و«بلو أوريغن». وتهدف المعاهدة إلى حماية القمر من التقلبات الربحية البحتة، وضمان أن يظل الاستكشاف العلمي هو المحرك الأساسي للأنشطة الفضائية الحكومية، بعيداً عن الهيمنة التجارية المطلقة.
يعود الفضل في تأسيس هذا التحالف إلى جيم بريدنستين، المدير الثالث عشر لوكالة «ناسا»، الذي قاد الوكالة في حقبة وصفت بأنها مليئة بالإنجازات التاريخية بين عامي 2018 و2021. وقد نجح بريدنستين في إطلاق رواد فضاء من الأراضي الأمريكية لأول مرة منذ عقد، ووضع حجر الأساس لبرنامج أرتميس الذي يهدف لهبوط أول امرأة على سطح القمر.
استندت صياغة اتفاقات «أرتميس» في عام 2020 إلى مبادئ قانونية دولية راسخة، أهمها معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 التي تمنع التسلح النووي في المدارات السماوية. وتؤكد الاتفاقية الجديدة على ضرورة الالتزام بالاستكشاف السلمي والشفافية التامة في العمليات، لضمان عدم تحول الفضاء إلى ساحة للصراعات العسكرية المسلحة.
تتضمن الاتفاقات بنوداً حاسمة تتعلق بـ «المساعدة الطارئة»، حيث تلتزم الدول الموقعة بتقديم العون لرواد الفضاء الذين قد يواجهون محنًا أو حوادث، باعتبارهم «رسلاً للبشرية». هذا المبدأ يعزز روح التعاون الدولي التي سادت في حقبة الفضاء الرومانسية، ويضمن سلامة الطواقم البشرية بغض النظر عن جنسياتهم أو الجهات التي يعملون لصالحها.
اتفاق أرتميس هو الوسيلة التي ستؤسس هذا التحالف العالمي الفريد لاستكشاف القمر وترسيخ مبادئ السلام والازدهار في الفضاء.
من الناحية التقنية، ركزت «ناسا» على تعزيز «التوافق التشغيلي» بين الدول المشاركة، وهو ما يعني تطوير أنظمة وبنية تحتية قادرة على العمل معاً بشكل متكامل. وقد تجلى هذا النجاح في استخدام صاروخ «أس أل أس» ومركبة «أوريون» في مهام استكشافية سابقة، مما يمهد الطريق لرحلات أكثر تعقيداً نحو المريخ والكويكبات البعيدة.
وتطرح الاتفاقية مفهوم «مناطق الأمان»، وهي مساحات جغرافية على سطح القمر تهدف لمنع التداخل الضار بين أنشطة الدول المختلفة. ورغم أن هذا البند أثار جدلاً حول احتمالية ادعاء السيادة، إلا أن الوثيقة تؤكد أن هذه المناطق مؤقتة وتخضع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتهدف فقط لتنظيم العمليات التقنية.
كما تولي الاتفاقات أهمية كبرى للحفاظ على «تراث البشرية» في الفضاء، بما في ذلك المواقع التاريخية لهبوط البعثات السابقة مثل «أبولو». ويشمل ذلك أيضاً وضع ضوابط صارمة للتعامل مع الحطام المداري الذي بات يشكل تهديداً حقيقياً للأقمار الاصطناعية والرحلات المأهولة، مع التأكيد على مسؤولية الدول عن مخلفاتها الفضائية.
لقد جاءت مبادرة «أرتميس» في توقيت اعترفت فيه وكالة «ناسا» بصعوبة تحقيق طموحاتها الكبرى بمفردها، مما دفعها لفتح باب الشراكة الدولية والخاصة. وقد بلغت التكلفة التقديرية للخطة التي وضعها بريدنستين نحو 28 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يعكس حجم التحديات اللوجستية والعلمية التي تواجه العودة إلى القمر.
ورغم استقالة بريدنستين في يناير 2021 مع تغير الإدارة الأمريكية، إلا أن إرثه في «أرتميس» استمر كإطار عمل أساسي للإدارات اللاحقة. وقد أثبتت المهام الأخيرة، مثل «أرتميس 3» أن الرؤية التي وضعها كانت قابلة للتنفيذ، حيث نجحت المركبات في اختبار قدرات الاستكشاف العميق بنجاح باهر.
تظل معاهدة عام 1968 بشأن «الإنقاذ والعودة» ركيزة أساسية في اتفاقات اليوم، حيث تلزم الدول بإعادة الأجسام الفضائية ورواد الفضاء إلى دولهم الأصلية في حال السقوط الاضطراري. هذا الالتزام القانوني يعزز الثقة بين القوى الفضائية ويقلل من احتمالات التوتر الدبلوماسي الناتج عن الحوادث الفضائية غير المتوقعة.
في الختام، يبقى اتفاق «أرتميس» مشروعاً قيد الاختبار أمام التحولات الجيوسياسية المتسارعة على كوكب الأرض. وبينما يطمح الموقعون إلى بناء مستقبل مزدهر وسلمي في الفضاء، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة هذا التحالف على الصمود في وجه سباق التسلح التكنولوجي والمنافسة المحمومة على الموارد القمرية.





שתף את דעתך
اتفاقات «أرتميس»: تحالف دولي لغزو القمر يواجه تحديات الفضاء التجاري والقطبية الثنائية